الإنترنت وعولمة الرذيلة

الحمدُ للهِ . . . الحمدُ للهِ المتصرفِ في خلقِهِ بما يشاء..كما يشاء.. متى يشاء , يبلوهُم بالخيرِ وَالشرِّ فتنةً وإليه المرجعُ وَالمصير , وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له ، وأشهدُ أن محمداً عبدُهُ وَرسولُهُ دلَّ أمتهُ على الخيرِ , وَحذَّرهَا مِنَ الشرِّ , وَكانَ بالمؤمنينَ رحيماً , صلى اللهُ عليهِ صلاةً زكيةً طيبةً مباركةً , وَعلى الآلِ وَالأصحابِ الذينَ قضُوا بالحقِ وبِهِ يعدلونَ ..وَعلى من سَارَ على هديهِم واستنّ بسنتهم إلى يوم الدّين , وسلَّم تسلماً كثيراً .
أما بعدُ , فاتقوا الله عبادَ اللهِ وأَطيعوه , ومن يُطِع الله ورَسولَه فقد فاز فوزاً عظيماً . . .

عبادَ الله. . .كانَ منتصفُ شوال من عامِ ألفٍ وثلاثمائةٍ وثمانية وثمانين هجرية اليومَ الذي صدرت فيه شهادة ميلاد شبكة الإنترنت من الحكومة الأمريكية حينما بدأ مجموعةٌ من العلماءِ أبحاثهم لإنشاء شبكةِ كمبيوتر في وزارةِ الدفاعِ الأمريكية , ثم تطور بعد ذلك ليشملَ مجالاتِ الحياةِ الأخرى , طبيةٍ , وتجاريةٍ , فانتقلت هذه الشبكة إلى بلدان أخرى من العالمِ , وفي عامِ سبعة عشر صدرَ قرارُ مجلسِ الوزراءِ في المملكة بإدخالِ خدمةِ الإنترنت إلى المملكةِ , وَبعدَ سنتين تَمَّ ربطُ الجامعاتِ وَشركاتِ تقديم الخدمةِ المحليةِ بهذهِ الخِدمة , وبدأ الإنترنتُ بالمـملكةُ قبلَ خمسِ سنواتٍ بثلاثِ شركاتٍ , وانتهى اليوم إلى اثنتين وعشرين شركة , وأكدت دراسةٌ عربيةٌ مُتخصِّصةٌ أن عددَ مستخدمي الإنترنت في المملكة يصلُ حالياً إلى مليون وستمائة شخص مع توقعات بارتفاع العددِ إلى أكثر من أربعةِ ملايينَ شخصٍ بعدَ سنتين .
عبادَ الله. . .إذا كانَ قد وَصَلَ عَدَدُ مستمعي الراديو إلى خمسينَ مليونَ مستمعٍ بعدَ خمسينَ عاماً , فقد وَصَلَ مشاهِدُو التلفازِ إلى خمسينَ مليون مشاهدٍ بعد ثلاثةِ عشرَ عاماً , ولاحِظوا الفرقَ , وَاختصارَ مسافاتِ الزمنِ , بينما نَجدُ أنَّ جمهورَ وَمُستخدمي الإنترنت قَدْ وَصَلَ إلى خمسينَ مليونَ مستخدمٍ خلالَ أربعِ سنواتٍ فقط , وتعتبرُ المملكةُ الأولى عربياً في استخدامِ الإنترنت , كما أشارت إلى ذلكَ الدراساتُ البحثية التي قَامَ بها الدكتور سامي عبد الرؤوف طايع الأستاذ بِكُلُّيةِ الإعلامِ في القاهرةِ.
أيها المسلمون. . .وإذا كُنَّا بهذا الحجمِ أمامَ هذا الانفجار المعلوماتي المعرفي الأخلاقي , فلا بُدَّ من كلمةٍ حولَ الإنترنت مُنطلقُها “وتواصوا بالحقٍ وتواصوا بالصبر” وأسوتُها هديُ محمد - صلى الله عليه وسلم - الدين النصيحة , واللهُ الهادي إلى سواء السبيل .
عبادَ اللهِ. . .أتدرونَ لماذَا نخطبُ عن الإنترنت ؟ ، لأنّ المرشدَ الطلابي شَكَى إليهِ الأساتذةُ تغيراً ملحوظاً على أحدِ الطلابِ الموهوبينَ المتفوقينَ في المدرسةِ , ينامَ في الحصةِ الأولى وَفي الثانيةِ وَفي الثالثةِ . . . لا يُركِّز ! ! ! وَلا يُشاركُ ! ! ! فَطَلَبهُ المرشدُ إلى مكتبِهِ , وَبحثَ وَضعَهُ وَتقصَّى أَمرَهُ فوجدَهُ مشتركاً جديداً في عالمِ الإنترنت , فمنذُ أُسبوعٍ سمحَ لَهُ والدهُ بالاشتراكِ فأدمَنَ على مواقعِهِ وَصفحاتِهِ , وَتَعَلَّقَ بغرفِ الدَردَشةِ المسماة ” بالشات ” مع الشبابِ وَالفتياتِ إلى ساعاتٍ متأخرةٍ مِنَ الليلِ , في كلِ يومٍ صديقةٌ , وَفي كُلِّ لحظةٍ صديقٌ , فكانت هذِهِ النتيجةُ .
وَكَيفَ لا نَخْطُبُ عنه , وهو الضرَّةُ المُضِّرة , كما تسميهِ إحدى الزوجات , كما ستسمعونَ بعدَ قليلٍ. . .فعلى الزوجةِ السلامُ إذا دخلَ زوجهَا أبوابَ مقاهي الإنترنت , وتحدثَ إلى الغوانـي في غرفِ الشات .
إنَّ الإنترنت ليسَ مجرد اكتشاف تقني يسَّر الاتصالَ بينَ أطرافِ المعمورةِ وَحوَّلها إلى قريةٍ صغيرةٍ , بَلْ هُوَ نظامٌ جديدٌ لشبكةِ العلاقاتِ الاجتماعيةِ بـمعناها الأوسع , سواء على مستوى أفرادِ الأسرةِ الواحدةِ , أو المجتمعِ الواحدِ , أو العالم أجمع.
إِنَّهُ أَهَمُّ تحدي يواجه الأُسرةَ اليوم التي تُريدُ إِثراءَ جوانبَ المعرفةِ وَالمعلومات لدى أبنائِها , وفي الوقتِ نفسُهُ تـخافُهُ ؛ لأنّهُ ربما عَصَفَ بالكثيرِ من قيمها بِمُجردِ ضَغطةِ زِرّ , لقد أفادت نتائجُ إحدى الدراسات التي تناولت تأثيرَ الإنترنت على القيمِ لدى المستخدم , أَنّ خمسةَ عشر في المائةِ من مستخدمي الإنترنت في خطرٍ من فقدهِمِ لقيمهم الإِنسانية , وَلذلكَ سَارَعَت الدولُ التي سبقتنا في استخدامِهِ إلى إنشاءِ وَفتحِ المعاهدِ وَمراكزَ البحوثِ التي تُعنى بدراسةِ تأثيراتِ الإنترنت على المجتمعِ , كالمعهدِ الموجودِ في بريطانيا حالياً .
إخوةَ الإسلام. . .بعدَ ستِ سنواتٍ من استخدامِ النت في المملكةِ وَدولِ الخليجِ ماذا تركَ لنَا ؟ ، ما هيَ آثارُهُ على الفردِ , على الأُسرةِ , وعلى المُجتمعِ بشكلٍ عامٍ , للنِّتْ وجهٌ حسنٌ لابُدَّ من ذكرِهِ , فاللهُ هـوَ العَدْلُ , وَحُكمُهُ عَدْلٌ , وَقولُهُ عَدْلٌ , وأَمَرَ بالعدلِ , فقالَ : ( وإذا قلتم فاعدلوا ) , ومنَ العدلِ في القولِ أن نقولَ إنّ الإنترنت وسيلةٌ ناجحةٌ للدعوةِ إلى اللهِ تعالى , وَكَمْ في المحِن من الإِحن , وكم في الشرِ الظاهرِ من الخيرِ الباطنِ , ( وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعلُ الله فيهِ خيراً كثيراً ) , بَعدَ خمسٍ وعشرينَ سنةٍ من وجودِ الإنترنت بدأَ الوجودُ الإسلامي على الشبكةِ العنكبوتيةِ ,فأنشأ اتحادُ الطلبةِ المسلمينَ في أمريكا مواقِعَ إسلاميةً في الغربِ , وبعدَ ثلاثِ سنواتٍ كانَ عددُ المواقِعَ ستينَ موقعاً , وبعدَ ثلاثٍ أُخرى تجاوزَ عددها خمسمائةِ موقِعٍ , طالبةٌ في قسمِ اللغةِ الإنجليزيةِ اجتهدَتْ وفتحت صفحةً عن الإسلامِ فَذُهِلَتْ بعدَ فترةٍ وَجيزةٍ من أعدادِ الرغباتِ في الإسلامِ , وَتحوَّلت الصفحةُ إلى موقعٍ بعدَ ذلكَ تُشرفُ عليه ثُلة من عضوات هيئة التدريسِ , وَالطالبات الموثوقات , مركزُ البشر لدعوةِ غير المسلمينَ عبرَ الإنترنت بدأَ بعملٍ فرديّ ثم تحولَ إلى جُهدٍ جماعي مؤسس , دَخَلَ بسببِهِ الإسلام آلافُ الرجالِ وَالنساءِ من جميـعِ الطبقاتِ ، فهو وسيلةٌ دعويةٌ لا يَشكّ عاقِلٌ في جدواها , ولو كانَ استخدامُ الناس لهذه الوسيلة هو الأكثر لَمَا تحدثنا عن الوجهِ الآخرِ للنت خصوصاً إذا علمنا أنّ استخدامَ النِّتْ في الدعـوةِ إلى اللهِ تعالى لا يتجاوزُ أربعةٍ في المائةِ , أمام المواقعُ الإباحية وغرفُ الحوارِ وَالدردشةِ فلها النصيبُ الأكبرُ وَالعياذُ باللهِ .
عبادَ اللهِ . . . خلالَ سنواتٍ وجيزةٍ تركَ النت آثارَهُ على أرضِ الواقعِ على الفردِ , والأسرةِ وَالمجتمعِ , على الطالبِ والطالبةِ , على الموظَّفِ وَالموظَّفةِ , وإليكم بعضَ هـذِهِ الآثار تـمَّ تـتّـبُعُهَا من البحوثِ وَالدراساتِ والواقعِ حولَ هذا الموضوع :
أولاً : ضياعُ الأوقاتِ . . . فكم من الساعاتِ تُقضى على شاشةِ النت وإذا كانت
هي جزء من حياةِ الإنسانِ فلربما تكونُ جزءاً من عملِهِ وَوَظيفتِهِ , وربما تكونُ جزءاً من مسؤوليته كزوجٍ أو كأبٍ أو كإبنٍ , يقولُ صاحبُ مقهى : من أغربِ الأمورِ وَلعلكَ لا تصدقُهَا : لدينا زبونٌ لا يذهبُ إلى المنزلِ إلا ساعةً واحدةً فقط يومياً , ويقضي يومَهُ بالكاملِ أمامَ الإنترنت ويتراوح عمرُهُ بين تسع وعشرين واثنين وثلاثين سنة , يقضي معظَم وقتِهِ في المحادثة .
ثانياً : التعرُّفُ على صحبةِ السوءِ من دُعاةِ الرذيلةِ والدعارةِ والمخدرات ، وذلك إمَّا
في مقاهي الإنترنت , أو عبر غرفِ الدردشة , وبناءُ جسرٍ من المودةِ والمحبة معهم وإن كانوا في قاراتٍ أُخرى .
ثالثاً : الإصابة بالأمراضِ النفسيةِ كالعُزلةِ والإِنطـوائيةِ والإكتئابِ وسوء الظـن
بالآخرين , فقد أكد أربعون في المائة في الإستبانة التي أجرتها مجلةٌ سعوديةٌ على مرتادي المقاهي ؛ أكدوا أن الإنترنت أثَّــر على علاقاتهم الاجتماعية وجعلَهُم أَكثَرَ انعزالاً من ذي قبل . ولذلك ظهرت في أوربا جمعيات لمساعدة مدمني الإنترنت , دورُهَا إعادةُ هؤلاءِ إلى حياتهم الأسرية والطبيعية , وإِعداد دوراتٍ لهم لبيان الطريقةَ الصحيحة في استخدام الإنترنت .
رابعاً : الغرقُ في أوحالِ الدعارةِ والفسادِ . . . لقد وَجدَت العصاباتُ المنظّمةُ أو المافيا
في شبكةِ الإنترنت مجالاً خصباً لترويج الدعارة , حتى قالت وزارة العدل الأمريكية عن خطرِ الإنترنت ودوره في نشر الدعارة : لم يسبق في فترةٍ من تاريخ وسائِل الإعلام بأمريكا أن تفشى مثل هذا العدد الهائل الحالي من مواد الدعارة أمام هذه الكثرةِ من الأطفال في هذه الكثرة من البيوت من غير أيِّ قُيودٍ .
خامساً : التعرُّفِ على أساليبِ الإرهابِ والتخريبِ , ففي شبكاتِ الإنترنت العالمية
مواقع عديدة في بيانِ كيفيةِ صناعةِ القنابلِ اليدويةِ , وعشراتُ الطرقِ في كيفية الانتحارِ , وكيفية نشرِ الفيروسات على أجهزةِ الآخرين , وتدميرِ الذاكرات , ووسائِل الاتصال والتعاون مع الـمـخربين مثل الهاكرز .
سادساً : التعرُّض لدعواتِ التنصير والتهويد والمذاهب الهدامة . . .
عبادَ الله. . .إنَّ الجنسَ والإباحيةَ ليست هي ما يَسُـود الإنـترنت , وإذا
كان الإنترنتُ شهواتٌ فهو شبهاتٌ أيضاً , يقول ” كريستف فولف ” : إن الكنائِسَ والفرقَ الدينية اكتشفت في الإنترنت وسيلةً لنشرِ رسائِلها , وليس ذلك فحسب , ففي الإنترنت مواقِعُ عديدة لأكثرِ المذاهبِ الهدَّامة , مثل “شهود يهوه ” , و “ساينتولوجي ” , و ” عبدةُ الشيطان ” , كما إنه أعني الإنترنت شوَّه صورةَ الإسلام ؛ عندما أوجدت الفرقُ الضالةُ المنحرفةُ لها مواقعَ في هذهِ الشبكةِ , كالرافضة , والصوفية , والقاديانية , والأحمدية , ودسَّت فيها السُمَّ بالعسلِ .
سابعاً : التجسسُِ على الحيـاةِ الخـاصَّةِ والأسرارِ الشخصيةِ للأفـرادِ والمؤسساتِ
والدولِ. . .إن منشأَ وأساس الإنترنت هو الاستخبارات الأمريكية , والسريفر الأكبر للإنترنت يوجدُ في أمريكا ؛ ومنه  يُمكن بسهولةٍ مراقبة أيِّ كمبيوتر , والحصول على أي معلومات شخصية عن الأفراد , والمنظمات والمؤسسات , والدول وهم لا يشعرون .
ثامناً : الكسلُ الذهني وضعفُ الذاكرةِ وَالغباءِ . . . وَهذهِ حقيقةٌ أكدتها البحـوثُ
والدراساتُ التي أجراها المتخصصونَ , تقول الدكتورة البريطانية “سوزان بالكمور” وهـي أُستاذةُ عِلمِ النَّفسِ في جامعةِ ” ويست انجلاند ” في بـريطانيا : إن استخدامَ الإنترنت يصيبُ الأطفالَ بالكسلِ الذهني , وعدمُ القدرةِ على الاحتفاظِ بالمعلوماتِ ؛ الأمرُ الذي يصيبُهُم بالسطحيةِ والغباءِ , وإذا أضفنا إلى الكسلِ الذهني آلامَ الظهرِ , وَالمفاصل واختلالَ النظرِ ؛ بسبب الساعاتِ الطوالِ أمامَ الإنترنت ظهرت لنا حقيقةُ هذا الأثر .
تاسعاً : فشو الكذبِ في الأمةِ واستمراءُ الغيبةِ في أواسطِ المجتمعِ ؛ فكم من خبـرٍ لا
يُعرفُ قائِلهُ يجني على الأمةِ شراً عظيماً حتى صَدَقَ في هذِهِ الأخبار وَقائليها قولُهُ - صلى الله عليه وسلم – في حديثِ سَمُرة بن جُندب ((يكذبُ الكذبةَ حتى تبلُغَ الآفاق))  ، فخلالَ ثوانٍ معدوداتٍ تتلقى مواقعُ الإنترنت الخبرَ في
جميعِ أنحاءِ المعمورةِ دونَ تثبتٍ وَلا تـمـيـيـزٍ .
عاشراً : هدمُ كيانِ الأسرةِ الآمنِ المستقرِ وَتقويضِ عُراهُ أو زعزعتُهُ , فكم من امرأة
تركت زوجها وفرَّت بدينها وعفَّتها بسب إدمانه على المواقع الإباحية , وكم من زوج ترك زوجته بسبب غوايتها وانحرافها عن طريق النت وخاصة في ساحاتِ الدردشةِ التي أولُهَا حرام وآخِرها اللقاءُ المحرَّم ، تقول إحدى الزوجات وهي حديثةُ عهدٍ بزواجٍ : أدعو الله ليل نهار أن يدمِّر الشبكة العنكبوتية الإنترنت لأتخلَّصَ من معاناتي , ولا تتعجبوا من شِدَّة مقتي لها فما أراه على حياتـي ليس بالهيِّن فأنا حقيقةً لم أحسَّ بـهجةَ العُرسِ , ولا بطعمِ حلاوته ؛ فزوجي يذهب يومياً من بعد العشاء ولا يعودُ إلا بعد الفجر ويكونُ مُنهكاً نعساناً فينام , وأغلبُ الأيام يتأخرُ عن الذهاب إلى دوامِهِ وإذا استيقظ ذهب مع زملائه إلى مقهى الإنترنت . . . وتقول أخرى : إنه بعبارةٍ وجيزةٍ كالساحر الذي يُفرِّق بين المرء وزوجه .
وآخر الآثار: شيوع الجريمة وزعزعـةُ الأمـن والاستقرار. . إن الأمـن نعمة . . .
الأمن والدعارة والإباحية لا يلتقيان على أرض المجتمع , فالأمن ثمرةُ للقيم الرفيعةِ وَالمُثُل العاليةِ وَالأخلاق الطاهرةِ وهذه شُعَبُ الإيمان . والدعارةُ وَالإباحيةُ تولِّدُ القتلَ وَالاغتصابَ وَالجريمةَ بشكلٍ عامٍ . ” تِيدْ باندي” مواطنٌ أمريكي ـ وأنا أضربُ أمثلَتِـي دائماً من أمريكا لأَنَّهَا رمزُ الحريةِ وَالحضارةِ الغربية ـ هذا الرجلُ اشتُهِرَ باسمِ السفَّاح!..فقد قَتَلَ بيدهِ أربعينَ امرأةً ، وكان لا يكتفِ بتعذيبِ وَخنقِ وَاغتصابِ ضحايَاهُ فَحَسبْ ! لكنَّهُ كَانَ يَتَفننُّ في أنواعِ الشناعةِ المريعةِ ، كأن ينهشَ لحومهنَّ ويأكُلَ مِنها…كانت أصغرَ ضحاياهُ طفلةٌ تبلغُ من العُمر عشرِ سنواتٍ ، قام باختطافِها واغتصابِها وتعذيبِها ثم شنقِها … قُبِضَ عليهِ فأجمعَوا على قتلهِ لشناعةِ جرائِمهِ ، وَقبلَ إعدامِهِ بقليلٍ ، قال في مقابلةٍ معه مصَّوره : أنتم سوفَ تقتلونَنِي وهذا سيحمي المجتمعَ من شرِّي ولكنَّ هناك الكثيرَ. . الكثيرَ . . أمثالي ممَّن قد أدمَنوا الصورَ الإباحيةَ ، وأنتم لا تفعلونَ شيئاً لحلِّ تلكَ المُشكِلَة .. وأضاف قائلاً : أنا وأمثالي لم نُولدْ وحُوشاً .. نحنُ أبناؤكُم وأزواجُكُم تربَّينا في بيوتٍ محافِظة ؛ ولكنَّ الموادَ الإباحيةَ يُمكنُها أن تمدَّ يديها داخِلَ أيِّ منـزلٍ فَتَخطفُ أطفَالَهُم .

الخُطبة الثانية :
الحمدُ للهِ . . . الحمدُ للهِ العليم بكُلِّ شيءٍ ,لا تخفى عليه خافيةٌ في الأرض ولا
في السماء , وَأشهدُ أن لا إله إلا هو , إليه يردُّ عِلمُ الساعةِ , وما تخرجُ من ثمرات من أكمامِهَا , وما تحمـلُ من أنثى ولا تضعُ إلاّ بعلمهِ , وأشهدُ أنّ محمداً عبدُهُ وَرسولُهُ , صلى الله عليه وعلى آلهِ  وصحبِهِ أجمعين وسلَّم تسليماً كثيراً .
عبادَ الله . . . سمعتُم عن هذِهِ الشبكةِ وآثارِها اليسير , والأمر واضح وجلي , يشهد له الواقُع وتؤكدهُ مراكزُ البحثِ المحليةُ وَالإقليميةُ والدوليةُ , وبدأت الصيحات والويلات ترتفعُ مبينةً خطورَتَه في شتى مناحي الحياة . ومما لا شك فيه أنَّ إدخالَ الإنترنت لمنزلٍ يموجُ بالشبابِ منَ الجنسينِ مجازفةٌ محفوفةٌ بالخطرِ , فالثقة في أفرادِ الأسرةِ شيءٌ , والمكرُ الكبار الذي تقودُهُ الصليبيةُ وَاليهوديةُ شيءٌ , وَالعاقلُ من وازن بين الحسنات والسيئات وأدرك أنه إذا وثقَ بابنهِ أوَ ابنتهِ , فإنَّهُ لا يثقُ بالشيطانِ , ولا برفيقِ السوءِ , ولا بالنفسِ الأمارةِ بالسوءِ , وآمن أن المتابعةَ والرقابةَ لا تعني الشك وعدمَ الثقةِ .
إنّ الكارثةَ ليست في وجودِ الإنترنت , ولكن الكارثةَ تبدأُ مع غيابِ الرقابةِ وَالإشرافِ وَللأسفِ فهذا هُو واقعُ التعاملِ مع الشبكةِ , فالآباءُ نادراً ما يعرفونَ ماذا يفعلُ أبناؤهم على الشبكةِ . . . في ظلِ انعدامِ الرقابةِ تقعُ الكوارث . . .
عبادَ الله  . . . وأخيراً , هذه همسةٌ لِمَن جَلَسَ أمامَ الشَاشةِ العنكبوتيةِ وَجعلَ العالمَ بينَ يديِهِ , وَأمَامَ ناظريه . . . أيها الحبيب نعم العالمُ بينَ يَديكَ هاتين ليسَتَا كَكُلِّ يدينٍ تحتضنُ العالمَ , إن فيهما أُصْبُعاً متميزاً يُشِّعُ نورُهُ بينَ ملياراتٍ منَ الأيـديِ الحوالِك . . . أُصُبُعٌ يرتفعُ مراتٍ وَمراتٍ , إحقاقاً لتوحيدِ اللهِ وَالاستسلامِ لَهُ .
فكيفَ يُمكنُ أن يكونَ احتِضَانُكَ للعالمِ نبضاً من الخيرِ وَالنفعِ ؟ وَكيفَ تزرعُ أنامِلُكَ المتصفِّحَة في أعشاشِ العنكبوتِ تلكَ أشجاراً طيبةً أصلُها ثابتٌ بالقيمِ , وَالمبادئُ وَفرعُها في السماء بالخير , والهدى والنور . . . .
يا عبدَ الله . . . اجعل
أولاً: من المواقعِ التي تهتمُ بأخبارِ المسلمينَ في طليعةِ مفضلتكَ , واستشعر أنكَ نبضة
في جسدِ الأمةِ المليءِ بالجراحِ , ولا بُدّ للنبضةِ أن تحملَ مِنَ الألمِ رعشه . . . ومنَ الفرحةِ خَلْجَهْ .
ثانياً :اطبعْ الأخبارَ المؤثِّرةَ آمالاً وآلاماً وأنشرها في أُسرتِكَ , وَعائِلتِك وَمُحيطكْ .
ثالثاً : أقرع بأنامِلِكَ المتوضئِةْ على لوحةِ المفاتيحِ بكلمة الحق , فساهم في مقالاتك
وآرائكَ في المواقعِ , وردَّ على الكتابات السقيمة والمقالات السخيفة , واقترع بصوتكَ في استفتاءاتِ تلكَ المواقعِ .
رابعاً : إن كُنتَ مِمَّن يُجيدُ لغةَ القومِ فحصِّن نفسكَ بالعلمِ الشرعي الموَّصل وتجوَّل في
مواقعهم بالكلمةِ الطيبةِ وَالموعظـةِ الحسنةِ , فقد كان – صلى الله عليه وسلم – يعرضُ نفسه على القبائِل في عكاظ وذي المجاز , وإذا ما وقع بَصرُكَ على موقعٍ مشبوهٍ فلا تزمجر وتسبَّ وتشتُم وتقِّطب بجبهتِكَ وَجبينِكَ بل مُرْ بالمعروفِ وَانه عن المنكر ولله عاقبةُ الأمور.
خامساً : تذكر أيها الحبيب . . . (( أن الله يعلمُ ما في السماواتِ وَمَا فِي الأرض , ما
يكون من نجوى ثلاثةٍ إلاّ هو رابِعُهُم ولا خمسةٍ إلاّ وَهُو سَادِسُهُم وَلا أدنى من ذلك ولا أكثر إلاّ وَهُوَ مَعَهُم أينما كانوا ثم ينبئِهم بما عملوا يومَ القيامةِ إنّ الله بكلِ شيءٍ عليم )) . فحذارِ . . . حذارِ أنْ يفرحَ بكَ عدوٌ للإسلامِ وأن يستزِّلكَ شيطان لأنكَ وَحدكَ في هذا المكان .
إذا ما خلوتَ بريبةٍ في ظُلمةٍ
والنفس داعيةٌ إلى الطُغيانِ

فأستحِ من نظر الإلهِ وقُلْ لَهَا
إن الذي خلقَ الظلامَ يراني

أن السمعَ وَالبصرَ والفؤادَ كُلُّ أولئكَ كَانَ عَنهُ مسئولاً . فماذا تقولُ لربكَ غداً عِندمَا يسألك عن نظرةِ حرامٍ أرسلت بها بَصركَ. . . ؟ , ماذا تقولُ غداً لعبـارةٍ كتبتهـا أنامِلُكَ يـوم يُكلِّمُكَ ربُّـكَ ليسَ وبينـك وبينه تُـرجمان. . . ؟ .

تم اغلاق التعليقات.