سلامة صدرك دليلك إلى الجنة

الحمدُ للهِ … الحمدُ للهِ الذي خلق فسوَّى , وقدَّر فهدى , وأسبغَ علينا نِعَمه التي لا تعدُّ ولا تحصى , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له يعلمُ السرَّ وأخفى , وأشهدُ أن محمداً عبده ورسُولُه ,وصفيُه وخليلُهُ وخيرتُهُ من خلقه , أرسله اللهُ رحمة للعالمين , وهداية للخلق أجمعين ,صلى الله عليه وعلى آلهِ وصحبهِ الطيبينَ الطاهرينَ والتابعينَ وأتباع التابعين , ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين وسلَّم تسليماً كثيراً. يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ
لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ .
عبادَ الله . . . أيها المؤمنون . . . ما أنعمَ اللهُ على عبدٍ بعدَ الإسلام بنعمةٍ مِثلَ سلامةِ الصدر , وليسَ أروحَ للمرءِ ولا أطردَ لهمومهِ , ولا أقرَّ لعينه مِنْ أن يعيش سليمَ القلبِ , مبرأً من وساوسِ الضغينةِ وثورانِ الأحقادِ , إذا رأى نعمةً تنساقُ إلى عبدٍ رضي بها , وأحسَّ فضلَ اللهِ فيها وفقر عبَادَه إليها , وإذا رأى أذىً يلحقُ أحداً من خلق الله رثى له , ورجى الله أن يُفرِّج كَرْبَهُ , ويُزيلَ بأَسَه , ولهذا كانَ مِنْ دُعَاءِ المؤمنين للمؤمنين ما جاء في سورة الحشر :  يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ  .
وكان رسُولُنا – صلى الله عليه وسلم – أسلمَ الناسِ صدراً وأزكَاهم نفساً وأطهَرَهم قلباً , وقد قال الله تعالى له :  وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ, وقال عنه :  وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ , وقد ثبت في الصحيحين أن الصدِّيقةَ بنت الصديق عائشةَ – رضي الله عنها – سألت رسولَ الله -  صلى الله عليه وسلم – فقالت : هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ من يومِ أُحُد ؟ قال : لقد لقيتُ مِنْ قَومِكِ ما لقيتُ , وكَانَ أشدُّ مَا لقيتُ منهم يومَ العقبة , إذْ عرضتُ نفسي على ابن عبدِ يا ليل بن عبدِ كِلال , فلم يُجِبْنِي إلى مَا أردتُ , فانطلقتُ وأنا مهمومٌ على وجهي , فلم أستَفِقْ إلاّ وأنا بقرنِ الثعالب , فرفعتُ رأسي فإذا أنا بسحابةٍ قد أظلتني فنظرتُ فإذا فيها جبريلُ فناداني فقال : إنَّ الله قد سَمِعَ قولَ قومِك لك , وما ردوا عليك , وقد بعث الله إليك مَلَكَ الجبالِ لتأمُرَه بمَا شِئْتَ فيهم , فناداني ملكُ الجبالِ , فسلَّم علي ثم قال : يا محمد ذلك فيما شِئت , وإنْ شئت أن أطبقَ عليهمُ الأخشبين , فقال : النبيُ – صلى الله عليه وسلم – بل أرجو أن يُخرج اللهُ مِنْ أَصلابِهم من يعبُدُ الله وحده لا يُشركْ به شيئا . . . وتقول أيضاً – رضي الله عنها – واصِفةً سلامة صدره – صلى الله عليه وسلم – ما ضَرَبَ رسولُ الله شيئاً قط بيده , ولا امرأة ولا خادماً إلاّ أنْ يُجَاهِدَ في سبيلِ الله , وما نِيلَ منه شيءٌ فينتقمُ لصاحبهِ إلاَّ أن يُنتهكَ شيءٌ من محارم اللهِ تعالى فينتقم لله تعالى .
وفي معركة أحد قال سهل بن سعد قال رسولُ الله –صلى الله عليه وسلم – يوم أُحُد : اللهم اغفر لقومي فإِنهم لا يعلمون , ضَرَبَه قُومُه شجوا وَجهَه وكَسَروا رباعيته , فكان يقول –صلى الله عليه وسلم – اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون .

وإِذا رَحِمتَ فأَنتَ أمٌّ أو أبٌ
جهذانِ في الدُنيا هُمَا الرُّحماءُ

وإذا غَضِبتَ فإِنمَا هي غَضْبةٌ
للهِ . . . لا حِقدً ولا شَحناءُ

عبادَ الله . . . هذا جزءٌ من سلامةِ صدرهِ وزكاءِ نفسهِ وجليلِ خُلُقهِ –صلى الله عليه وسلم – أمَّا صحابتهُ وصفوتُهُ فهم القومُ الذين -  رضي الله عنهم ورضوا عنه –
وهم القومُ الذين وصفهم اللهُ بقولهِ : أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ  , وهم القومُ الذين قال عنهم ربُّهم جل وعلا :  أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ  .
قال إياسُ بنُ معاوية واصفاً حَالَهم : كان أفضلُهُم عِندَهم أسلَمَهم صدوراً وأقلَّهم غيبة وقال سفيانُ بنُ دينار  قلتُ لأبي بشر : أخبرني عن أعمالِ من كان قبلَنَا ؟ قال : كانوا يعملون يسيراً ويؤجرون كثيراً . . . قال قلُت : ولمَ ذاك ؟ قالَ : لسلامةِ صُدُورهم . وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : كُنَّا جُلُوسَاً مَعَ رَسُولِ اللهِ – صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ يَطلُعُ عَلَيكُم الآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهلِ الجَنَّةِ فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنْ الأنصَارِ مِنْ وضُوئِهِ قَدْ تَعَلَّقَ نعليهِ في يدهِ الشمَالِ فَلَمَّا كَانَ الغدُ قَالَ النبيُ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِثلَ ذَلكَ فَطَلَعَ ذَلكَ الرَّجُلُ مِثلَ المرةِ الأولى فلمَّا كَانَ اليومُ الثالثُ قالَ النبيُ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم – مِثلَ مَقَالَتِهِ أَيضاً فَطَلَعَ ذلكَ الرَّجُلُ على مثلِ حَالِهِ الأولَى فَلَمَّا قَامَ النبيُ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –  تَبِعَهُ عبدُ اللهِ بنِ عُمْرِو بنِ العَاصِ فَقَالَ : إِنِّي لاحيتُ أَبِي فَأَقسَمْتُ أَنْ لا أَدخُلَ عليهِ ثلاثاً فإِنْ رأيتَ أَنْ تُؤوينِي إِليكَ حَتَّى تمضيَ فعلتَ قَالَ : نَعَمْ قَالَ أنسٌ: وكانَ عبدُ اللهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلكَ الليالِي الثلاثَ فَلَمْ يَرَهُ يقومُ مِنَ الليلِ شيئاً غيرَ أَنَّهُ إذَا تَعَارَ وَتَقَلَّبَ على فراشهِ ذَكَرَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَبَّرَ حَتَّى يقومَ لصلاةِ الفجرِ , قال عبد الله : غيرَ أَنِّي لَمْ أسمعهُ يقولُ إلاَّ خيراً , فَلَمَّا مَضَتْ الثلاثُ ليالٍ وكدتُ أَنْ أحتقرَ عَمَلَهُ قُلتُ : يَا عبدَ اللهِ إِنِّي لم يَكُنْ بيني وبينَ أَبِي غَضَبٌ وَلا هجرٌ ثَمَّ , وَلكن سمعتُ رسولَ اللهِ – صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ – يقولُ لكَ ثلاثَ مرارٍ: يطلعُ عليكمْ الآنَ رَجُلٌ مِنْ أهلِ الجنةِ فطلعتَ أنتَ الثلاثَ مرارٍ فأردتُ أَنْ آويَ إليكَ لأنظرَ مَا عملكَ فأقتديَ بِهِ فلمْ أركَ تعملُ كثيرَ عملٍ فمَا الذي بلغَ بِكَ مَا قالَ رسولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ – فقال :  مَا هوَ إلا مَا رأيتَ قَالَ فلمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي فَقَالَ : مَا هُوَ إلا مَا رأيتَ غيرَ أَنِّي لا أجدُ في نفسي لأحدٍ مِنْ المسلمينَ غِشًّا ولا أحسدُ أحداً على خيرٍ أعطاهُ اللهُ إياهُ , فقالَ عبدُ اللهِ : هذهِ التي بَلغتْ بِكَ وَهيَ التي لا نطيقُ .
وَمِنَ الشواهدِ على سلامةِ صدورهم -رضي الله عنهم – ما ذكره ابن الجوزي في صفوة الصفوة عن ابن عباس –رضي الله عنهما – فقد شتمه رجلٌ , فقالَ لهُ ابن عباس : إنكَ لتشتمني وفيَّ ثلاثُ خصال : إِني لآتي على الآيةِ في كتاب الله - عز وجل - , فَلَوددِتُ أَنَّ جميعَ الناسِ يعلمونَ منهَا مَا أعلمُ , وإني لأسمعُ بالحاكمِ مِنْ حُكامِ المسلمين يَعدِلُ في حكمهِ فأفرحُ بهِ , وَلعلي لا أُقَاضي إليه أبداً , وإِني لا أَسمَع أَنَّ الغيث قد أصابَ بلداً من بلدانِ المسلمينَ فأفرحُ بهِ ومَالِي بهِ من سائمةٍ , أمَّا أبو دُجانه – رضي الله عنه – فقد دخلَ عليهِ رجلٌ وهوَ مريضٌ فكانَ وجهُ أبي دُجَانه يتهللُ فقالَ : لهُ مَا لوجهكَ يتهللُ , فقالَ أبو دُجَانه –رضي الله عنه –  : مَا مِنْ شيءٍ أوثقُ عندي من اثنتين : كنتُ لا أتكلمُ فيما لا يعنيني . . . والأُخرى كَانَ قَلبِي للمسلمينَ سِلماً .
عبادَ الله . . . وَمِنْ سير الصحب الأطهار إلى مصابيحِ الدُّجى وَمنَاراتِ الهدى عُلماءِ الأمةِ وَسلفِهَا الصالح  . . . ذكر الإمام ابن الجوزي في كتابه مناقبِ الإمامِ أحمدَ بنَ حنبل - رحمه الله تعالى – عن أبي علي الحسين بنُ عبد الله الخرقي قال : سمعتُ أحمدَ بنَ حنبل يقول : أحللتُ المُعتصِمَ مِنْ ضَرَبِي . . . وقالَ ابن هاني : كنتُ عندَ الإمامِ أحمدَ بن حنبل فقالَ لهُ رجلٌ : يا أبا عبدِ اللهِ قد اغتبتكَ فَاجعلنِي في حِل , قالَ : أنتَ في حِلٍ إِنْ لَمْ تَعُدْ . . . فقلتُ لهُ : تجعلهُ في حِلٍ وَقد اغتابكَ ؟ قالَ : أَلَمْ ترنِي اشترطتُ عليهِ .
أمَّا شيخُ الإسلامِ - أعني ابن تيمةَ الحرَّانِي – فقد ضَرَبَ أمثلةً رَائِعَةً في سلامةِ صَدرِهِ حتى معَ الذينَ أختلفَ مَعَهم , بَل حتى معَ الذينَ وشُوا بِهِ إلى السلطانِ , بَلْ حتى معَ الذينَ تسببوا في سجنهِ وأفتُوا بقتلهِ . . .
ومنَ هؤلاءِ ابنُ مخلوف المالكي فقد كانَ هذا الرُّجل متمكناً من البلاطِ الملكي مؤثراً في صياغةِ القرارِ السياسي في زمانِهِ , وكانَ من أشدِّ الناسِ عداوةً لشيخِ الإسلامِ بل مِمَّنْ أفتى بقتلهِ , وفي نهايةِ أمرِهِ قالَ عن شيخِ الإسلامِ : مَا رأينَا مِثلَ ابن تيميةَ حرَّضنَا عليهِ فَلَمْ نقدر عليه , وقدُرَ علينَا فصفحَ عنَا وَحَاجَجَ عنَّا .
وقَالَ أَحَدُ أصحابِ شيخِ الإسلامِ – رحمهُ اللهُ تعَالَى - : مَا رأيتهُ يَدعُو على أحدٍ مِنْ خُصومِهِ قط , بل كانَ يدعُوا لَهُم , وَجئتهُ يوماً مبشراً بموتِ أكبرِ أعدائِهِ وَأشدِّهم عداوةً وأذىً له . . . فنهرني وتنكَّرَ لِي وَاسترجعَ , ثُمَّ قَامَ مِنْ فَورِهِ إلى بيتِ أهلِهِ فعزَّاهم , وقالَ : إِنِّي لَكُم مكانه ولا يكونُ لكم أمرٌ تحتاجونَ فيهِ إلى مساعدةٍ إلاّ وساعدتُكُم فيه .

الخطبةُ الثانية
========
الحمدُ للهِ  . . . الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيهِ كمَا يحبُّ ربُّنا ويرضى , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ لهُ وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُهُ , صَلَّى اللهُ عليهِ وَعلى آلهِ وَصَحبِهِ وَالتَابِعينَ وَأتباعِ التابعين إلى يوم الدِّينِ .
أمَّا بعدُ فإن الإنسانَ لن يذوقَ سعادةَ الحياةِ إلاّ إذَا كَانَ مستريحَ النفسِ سليمَ الصدرِ من نزعاتِ الحقدِ الأعمى , ولنْ يشرقَ القلبُ بالإيمانِ وتتطهرُ جوارحُ الإنسانِ بصالح الأعمال إلاّ إذا سُلَّتْ سخائِمُ النفوس منها , وأُطِرَتْ على الحقِ أطراً , ولذلك تحسس الإسلامُ أتباعه بين حينٍ وآخر ليُطَهِرَهم تطهيراً من أدرانِ الحقدِ الرخيص , حتى يكونوا أزكى وأتقى وأنقى لله ربِّ العالمين ومن هذا التحسُّس أن الصلوات المكتوبة لا يحظى المسلمُ بثوابها إلاّ إذا اقترنت بصفاءِ القلب للنَّاسِ وفراغهِ من الحقدِ والغشِ والحسدِ , قالَ رسولُنَا وَحبيبُنَا محمدٌ –صلى الله عليه وسلم – تُعرضُ الأعمالُ في كُلِّ اثنين وخميس فيغفرُ الله عز وجل في ذلك اليوم لِكُلِّ امرئٍ لا يُشركْ بالله شيئاً إلا امرأً كانت بينه وبين أخيهِ شحناءَ , فيقول : اتركوا هذين حتى يصطلحا .
فيَا عبدَ اللهِ . . . ها أنَا أُسمِعُكَ حديثَ حبيبِكَ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم- فأتقِ الله وسارع بإجابةِ دعوتِهِ وَطَاعَةِ أمرهِ وَتصديقِ خبرهِ , فقد قَالَ اللهُ تعَالَى لكَ في كتابهِ  :  وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا.
استعن بالله واسلُلْ سخيمةَ قلبكَ , وَكُنْ من المسارعينَ السابقينَ للخيراتِ . . . فقد قَالَ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ : فخيرهما الذي يبدأ بالسلامِ . . .
اذهبْ إلى هذا الذي حَالَ بينكَ وبينَ موالاتِهِ وَمودتِهِ الشيطان وَأدفع بالتي هي أحسن فإن الآجال محدودة والأنفاس معدودة .

تم اغلاق التعليقات.